الأحد، 9 يناير، 2011

زواج المسيار

زواج المسيار """

وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريفه:
في اللغة: المسيار لغة من السير، وفي المضي في الأرض، يقال: سار يسير مسيراً وتسايراً وسيرورة إذا ذهب.
وتقول العرب: سار القوم يسيرون سيراً ومسيراً، إذا امتد بهم السير في جهة توجهوا لها، والتساير تفاعل من السير، ومسيار صيغة مبالغة، يوصف بها الرجل كثير السير، تقول: رجل مسيار وسيار "لسان العرب".
وسمي به هذا النوع من النكاح؛ لأن المتزوج لا يلتزم بالحقوق الزوجية التي يلزمه بها الشرع؛ فكأنه زواج الساير أو الماشي الذي يتخفف في سيره من الأثقال والمتاعب، فالمسيار إذن هو المرور وعدم المكث الطويل.

المسيار في الاصطلاح: هو الزواج الذي يذهب فيه الرجل إلى بيت المرأة ولا تنتقل المرأة إلى بيت الرجل؛ وفي الغالب تكون هذه الزوجة ثانية، وعنده زوجة أخرى هي التي تكون في بيته وينفق عليها.

وعرفه الشيخ عبد الله بن منيع: الذي أفهمه من زواج المسيار - وأبني على فهمي ما أفتي به حوله - أنه زواج مستكمل لجميع أركانه وشروطه، فهو زواج يتم بإيجاب وقبول وبشروطه المعروفة من رضا الطرفين، والولاية، والشهادة، والكفاءة، وفيه الصداق المتفق عليه، ولا يصح إلا بانتفاء جميع موانعه الشرعية. وبعد تمامه تثبت لطرفيه جميع الحقوق المترتبة على عقد الزوجية من حيث النسل، والإرث، والعدة، والطلاق، واستباحة البضع، والسكن، والنفقة، وغير ذلك من الحقوق والواجبات، إلا أن الزوجين قد ارتضيا واتفقا على ألا يكون للزوجة حق المبيت، أو القسم، وإنما الأمر راجع للزوج متى رغب زيارة زوجته – المسيار – في أي ساعة من ساعات اليوم والليلة فله ذلك(1).

وقيل في تعريفه: هو ا لزواج المستكمل لجميع شروطه وأركانه، فهو زواج يتم بإيجاب وقبول، وبشرطه المعرفة، إلا أن الزوجين قد اتفقا على ألا يكون للزوجة حق المبيت ولا الحقوق المالية؛ وإنما الأمر راجع للزوج متى رغب في الزيارة في أي ساعة من ساعات اليوم والليلة، فله ذلك، ولعل هذا ما كان يعرف في أيام الحسن البصري رحمه الله بزواج النهاريات. (مجلة الأسرة، العدد 467).

ويفهم من هذا التعريف: أن الزواج يعفي من واجب المسكن والنفقة والتسوية في القسم بينها وبين زوجته أو زوجاته، تنازلاً منها فهي تريد رجلاً يعفها ويحصنها، دون أن تكلفه شيئاً، لاستغنائها بما لديها من مال وكفاية تامة. (حول زواج المسيار ص 4).

المطلب الثاني: الفرق بينه وبين الأنكحة الأخرى، خاصة العرفي والسر:
بالنظر إلى تعريفات زواج المسيار يمكن القول بأنه لا فرق بينه وبين الزواج الشرعي إلا من جهة تنازل الزوجة عن بعض حقوقها، وإسقاطها لما يجب لنا من نفقة وسكن وقسم ونحو ذلك، ولولا هذه التنازلات من قبل الزوجة لكان قريباً من الزواج الشرعي الذي جرى به التعامل بين الناس.

ولكن لما كان هذا الزواج يغلب عليه التواصي بالكتمان الذي ربما يكون وسيلة في إنكار نسب الولد، وقد يجترئ بعض الناس على التقصير ا لمشين فيما يثبت للمرأة من حقوق، وعلى هذا نرى أنه نكاح غير صحيح لما واكبه من إخلال حقوق الزوجة ومن تعريض المرأة للإساءة والتقصير، وقد بينا فيما سبق مكانة الزواج في الإسلام الذي يشترط له الإعلان والإظهار وإشاعته بين الناس بكل الوسائل.

الفرق بين المسيار والزواج العرفي:
يمكن القول بأن الفرق بين الزواج العرفي والمسيار، أن الزواج العرفي زواج شرعي قد استكمل جميع شروطه وأركانه، وقد كان هو الزواج المتعارف عليه طيلة ثلاثة عشر قرناً بين المسلمين، وقد جاءت تسميته بالعرفي بعد أن ألزمت الدولة بتسجيل عقد الزواج في المحاكم الشرعية أو دوائر خاصة.

وعلى ذلك فالنقص الذي يكمن في الزواج العرفي كما أسلفنا هو نقص في توثيقه لدى المأذون أو السلطات القضائية لا غير، أما ماهيته فهو عقد استكمل جميع شروطه وأركانه، وترتب عليه جميع آثاره الشرعية والقانونية بما فيه ثبوت حق النفقة والمبيت، لذا فإن الفارق بين هذين النوعين في ثبوت حق النفقة والمبيت في الزواج العرفي وعدم ثبوتها في زواج المسيار، وهذا لا يعني أن زواج المسيار لا يمكن أن يكون زواجاً "عرفياً"، بل من الممكن ذلك، حينما لا يسجل لدى الدوائر القضائية، لكنه لا بد أن يكون قد استكمل جميع أركانه وشروطه المعروفة في الزواج الصحيح.

ثانياً: الفرق بين زواج المسيار وزواج السر (الذخيرة):
لكي يتضح الفرق بين زواج السر، لا من تعريف زواج السر وهو: ما يوصي فيه الزوج الشهود بكتمانه عن زوجة أخرى أو عن جماعة ولو أهل المنزل.
وعليه، فيمكن بيان الفرق بين زواج المسيار وزواج السر، بأن زواج السر فيه إيجاب وقبول، ويشهد عليه شاهدان، ويكون فيه ولي غالباً ولكن يتواصى الزوجان والولي والشهود على كتمانه وعدم إعلانه، وفيه يثبت حق النفقة والمبيت والسكن وسائر الحقوق، ولا يسقط شيء منها كما هو الحال في زواج المسيار، غير أن الفقهاء قالوا ببطلان نكاح السر فهم إن اختلفوا في هل شرط صحة العقد الأشهاد أم الإعلان لكنهم لم يختلفوا في أن النكاح السري يشبه البغاء فيكون باطلاً.

المطلب الثالث: حكمه الشرعي (المغني 9/484).
نظراً لأن زواج المسيار من العقود المستحدثة، فقد تباينت آراء العلماء في حكمه بين مبيح إباحة مطلقة، ومبيح مع الكراهة، وقائل بالتحريم، وهذا بيان الآراء بإيجاز:
الرأي الأول: إنه مباح مطلقاً، قال به عدد من العلماء المعاصرين، وعللوا بأن زواج المسيار زواج استوفى شروطه وأركانه، وخلا من الموانع فالأصل صحته، ولا ضرر في الاتفاق الحاصل بين الزوجين على قضية النفقة والمبيت والقسم. وإن حقوق المرأة مكفولة ما دام العقد مسجلاً لدى الجهات الرسمية المعنية بتوثيق العقود.

وقال فريق من العلماء بالجواز مع الكراهة وعللوا: بأن هذا الزواج لا يحقق الهدف المنشود منه وهو المودة والرحمة والسكن وإنما الذي تحقق هو: المتعة والأنس فقط وعدم تحقق كل الأهداف المرجوة قد يبطل العقد.

وأيضاً: إن زواج المسيار وإن بدا صحيحاً في الظاهر لتوافر أركانه وشروطه إلا أنه زواج تنعدم فيه مسؤولية الرجل في التربية والرعاية والإشراف والإعانة على شؤون الحياة وظروفها القاسية.

الرأي الثالث: أن زواج المسيار ممنوع وعلل من قال بذلك: بأن هذا الزواج يتنافى مع مقاصد الزواج في الشريعة إذ إن الزواج في الإسلام يقوم على أركان ثلاثة: المودة، الرحمة، السكنى، الواردة في سورة الروم الآية 21، وزواج لا تتوافر له هذه الأركان لا يصح، لأن هذا الأسلوب في الزواج يتنافى مع قوله تعالى: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ" (النساء: من الآية34)، على أن هذا الزواج يظهر فيه استغلال حاجة المرأة حيث يتمتع بقضاء الوطر دون أن يحقق للمرأة كل الأهداف السامية للزواج، قال تعالى: "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (البقرة: من الآية228)، وفي زواج المسيار لا يتحقق للمرأة ما يثبت لها بالزواج في الإسلام والرجل في هذه الحال منتهز لرغبة المرأة في العفاف وتحصين نفسها.

ولا ريب أن الرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته، فأية مسؤولية تحملها مثل هذا الرجل إذ كيف يتسنى له الإشراف على تربية الأولاد وتعليمهم وحمايتهم من التشرد والضياع حيث لا تقوى الأم غالباً على متابعة أولادها في الشارع وفي المدارس، وغالباً ما يؤول هذا النوع من الزيجات إلى مفاسد وأضرار ولذلك إباحته مطلقاً قد تفضي إلى ذهاب مقصود الشارع من تشريع الزواج والأولى أن يضبط بضوابط متناسقة بحيث يلبي حاجة المجتمع مع الحفاظ على مقصود الشارع في الزواج وأن تكون الفتوى بإباحته مقتصرة على من احتاج إليه ولم يجد حلاً سواه ويجب اتخاذ الوسائل والإجراءات لمنع انتشاره في المجتمع بالرغم من عدم الجزم بحرمته أو بطلانه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق